الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

203

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والاستنباط حقيقته طلب النّبط - بالتحريك - ؛ وهو أول الماء الذي يخرج من البئر عند الحفر ؛ وهو هنا مجاز في العلم بحقيقة الشيء ومعرفة عواقبه ، وأصله مكنية : شبّه الخبر الحادث بحفير يطلب منه الماء ، وذكر الاستنباط تخييل . وشاعت هذه الاستعارة حتّى صارت حقيقة عرفية ، فصار الاستنباط بمعنى التفسير والتبيين ، وتعدية الفعل إلى ضمير الأمر على اعتبار المعنى العرفي ، ولولا ذلك لقيل : يستنبطون منه ، كما هو ظاهر ، أو هو على نزع الخافض . وإذا جريت على احتمال كون ( يستنبطون ) بمعنى يختلقون كما تقدّم كانت يَسْتَنْبِطُونَهُ تبعية ، بأن شبّه الخبر المختلق بالماء المحفور عنه ، وأطلق يستنبطون بمعنى يختلقون ، وتعدّى الفعل إلى ضمير الخبر لأنّه المستخرج . والعرب يكثرون الاستعارة من أحوال المياه كقولهم : يصدر ويورد ، وقولهم ضرب أخماسا لأسداس ، وقولهم : ينزع إلى كذا ، وقوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [ الذاريات : 59 ] ، وقال عبدة بن الطبيب : فحقّ لشأس من نداك ذنوب ومنه قولهم : تساجل القوم ، أصله من السّجل ، وهو الدلو . وقال قيس بن الخطيم : إذا ما اصطبحت أربعا خطّ مئزري * وأتبعت دلوي في السماح رشاءها فذكر الدلو والرشاء . وقال النابغة : خطاطيف حجن في حبال متينة * تمدّ بها أيد إليك نوازع وقال : ولولا أبو الشقراء ما زال ماتح * يعالج خطّافا بإحدى الجرائر وقالوا أيضا : « انتهز الفرصة » ، والفرصة نوبة الشرب ، وقالوا : صدر ألوم عن رأي فلان ووردوا على رأيه . وقوله : مِنْهُمْ وصف للذين يستنبطونه ، وهم خاصّة أولي الأمر من المسلمين ، أي يردّونه إلى جماعة أولي الأمر فيفهمه الفاهمون من أولي الأمر ، وإذا فهمه جميعهم فأجدر .